لم يكن الطريق الذي سلكه شعب الالحدثي نحو حريته مفروشا بالوعود، بل كان معمدا بالتضحيات ومحمولا على أكتاف رجال آمنوا بقضية وطن، ووقفوا صفا واحدا في مواجهة مشاريع الهيمنة. وفي قلب هذه المسيرة النضالية ، توحّدت البنادق، وتلاقت الإرادات وكان الهدف واحدا هو استعادة الدولة الجنوبية وصون كرامة شعبها.
لكن ما نشهده اليوم في العاصمة عدن يفرض قراءة مختلفة للمشهد، ويستدعي وقفة صريحة أمام تحركات مقلقة، تمثلت في عسكرة عدن وإغلاق مقرات المجلس الانتقالي الجنوبي، وعلى يد قوات مدعومة سعوديا، وذلك ضد إرادة الشعب الجنوبي وفي مشهد لا ينسجم مع تاريخ تلك القوات، ولا مع الشعارات التي رفعتها يوما.
هنا، لا بد من التذكير ليس من باب المزايدة، بل من باب استحضار الحقيقة أن هذه القوات نفسها كانت في وقتٍ قريب جزءً من معركة الجنوب، وكانت تقف إلى جانب المجلس الانتقالي الجنوبي، وتقاتل تحت راية واحدة، وتواجه خصمًا مشتركا .. فكيف يمكن أن تنقلب الأدوار إلى هذا الحد؟ وكيف تتحول البنادق من حماية المشروع الجنوبي إلى الضغط عليه؟
ولهذا إن الجنوب لا يتنكر لمن وقف معه، ولا ينسى تضحيات من قاتل في صفه، لكنه في الوقت ذاته لا يقبل أن تُستخدم تلك التضحيات كغطاء لممارسات تتناقض مع جوهر القضية ، فالانتماء الحقيقي لا يُقاس بالماضي فقط، بل بالموقف في الحاضر، وبالالتزام بثوابت الشعب الذي ضحّى من أجل حريته.
ما يحدث اليوم يضع الجميع أمام اختبار حقيقي إما الانحياز الصادق لقضية الجنوب، واحترام إرادة شعبه ومؤسساته السياسية، أو السقوط في مربع تنفيذ أجندات تعيد إنتاج الهيمنة بأدوات جديدة، حتى وإن جاءت هذه المرة عبر قوات مدعومة سعوديا انحرفت بوصلتها تجاه الجنوب وشعبه بالتنكيل والمضايقات.
إن الرسالة التي يجب أن تصل بوضوح هي أن الجنوب لا يبدّل احتلالا بآخر، ولا يقبل وصاية تحت أي مسمى وكل من يظن أن بإمكانه فرض واقع بقوة السلاح، أو محاصرة القرار الجنوبي، فإنه يتجاهل حقيقة راسخة: هذا الشعب جرّب المواجهة، وانتصر فيها، ولن يتردد في خوضها مجددا دفاعا عن قضيته.
وفي الوقت الذي نؤكد فيه على أهمية الشراكات، فإننا نُشدد على أنها يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل، لا على فرض الإرادة. فالعلاقات لا تُبنى بالقوة، بل بالتفاهم، ولا تُحفظ بالمصالح الضيقة، بل بالالتزام بالقضايا العادلة.
نقولك لكم، ان الجنوب يمد يده لكل من يقف بصدق إلى جانبه، لكنه في الوقت ذاته يرفع صوته عاليا من كان يوما في صفنا، نأمل أن يعود إلى موقعه الطبيعي، فالمعركة لم تنتهِ بعد، والرهان الحقيقي هو على من يثبت ثباته عندما تتبدل الظروف، لا من يتغير بتغيّرها.


