هذا التراخي الإستراتيجي منح المليشيات مساحات واسعة للمناورة، واستغلال المحطات السياسية لتثبيت نفوذها وتحويل مجريات الصراع لصالحها، حتى غدت تشكل تهديداً كبيراً ومباشراً يمتد أثره خارج الحدود الإقليمية.
طوال الفترات الماضية، تُركت المليشيات الحوثية دون رادع حقيقي أو ضغط عسكري وسياسي يكسر شوكتها ويحد من طموحاتها التوسعية. وفي ظل هذا الصمت الدولي والمحلي، استغلت المليشيات فترات التهدئة لتجميع قواها وإعادة بناء ترسانتها العسكرية المتقدمة بدعم مباشر ومستمر من النظام الإيراني.
وظلت هذه القوة الكامنة تُدار بحذر إلى أن تلقت الأوامر الصريحة والمباشرة من طهران بالتمدد نحو البحر الأحمر والاستيلاء الفعلي أو فرض السيطرة النارية على مضيق باب المندب، تحويلاً للممر المائي الحيوي إلى ورقة ضغط جيو-سياسية بامتياز.
الخطوة التالية المتوقعة لهذه المليشيات قد تتجاوز التهديدات المحدودة إلى الإغلاق التام والمباشر لمضيق باب المندب، باستخدام نفس التكتيكات العدوانية التي يمارسها الحرس الثوري الإيراني في مضيق هرمز.
ويشمل ذلك نشر الألغام البحرية العشوائية، واستهداف سفن الشحن وناقلات النفط بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، إضافة إلى عمليات القرصنة واحتجاز السفن التجارية. هذا التكرار الحرفي للسيناريو الإيراني يستهدف تحويل الملاحة الدولية في جنوب البحر الأحمر إلى منطقة خطر دائم وخاضعة للابتزاز السياسي والعسكري.
تترتب على هذه الخطوة الكارثية كلفة اقتصادية باهظة ينعكس أثرها فوراً على الاقتصاد العالمي بأكمله. فاختناق الملاحة في باب المندب يؤدي إلى الارتفاع الحاد في تكاليف الشحن والتأمين البحري، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية للنفط والغاز والبضائع الأساسية، فضلاً عن إجبار السفن على سلوك طرق بديلة أطول وأكثر كلفة.
وفي نهاية المطاف، يدفع المجتمع الدولي اليوم ثمن سنوات طويلة من التغاضي والصمت المريب عن تفاقم الإرهاب الحوثي، مما يؤكد أن التهاون مع الجماعات الإرهابية المسلحة ينتهي دائماً بكوارث تشل حركة التجارة العالمية وتهدد الأمن والسلم



