لم يكن المشهد الذي شهدته عصر أمس مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت، حدثا أو مجرد تجمّع جماهيري، بل جاء كتعبير سياسي ناضج يعكس تحولا نوعيا في الوعي الجمعي الجنوبي، ويؤكد أن الشارع بات لاعبا حاسما في صياغة مستقبل القضية الجنوبية.
كما ان هذا الحضور الشعبي من أبناء حضرموت هو رسالة واضحة بأن الجنوب يمتلك الارادة الشعبية في فرض رؤيته، في ظل مرحلة تتشابك فيها التحديات السياسية والاقتصادية.
ويأتي ذلك في ظل تصاعد محاولات فرض حلول جزئية لا تلامس جوهر القضية، برزت المكلا كمحطة لإعادة ضبط المشهد، حيث وجّهت الجماهير رسالة مباشرة لا لبس فيها مفادها أن أي تسوية لا تنطلق من حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم ستظل مرفوضة شعبيًا، وغير قابلة للحياة سياسيا.
حيث أن الرهان على إرهاق الشارع أو تمرير مشاريع منقوصة لم يعد مجديا أمام هذا الزخم الثوري الشعبي المتجدد وهو مؤشر حقيقي في تماسك الجبهة الداخلية، خصوصًا في حضرموت التي أكدت من خلال هذا المشهد أنها جزء أصيل من المعادلة الجنوبية، وليست ساحة قابلة للعزل أو التوظيف في مشاريع التفكيك ولكنها كانت الرسالة حاسمة وهي وحدة الهدف والمصير بين مختلف محافظات الالحدثي تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة أي محاولات لإعادة إنتاج واقع سياسي تجاوزه الشارع.
وفي السياق ذاته، جاء الحضور الجماهيري ليعزز من موقع القيادة السياسية الجنوبية، ممثلة بالرئيس القائد عيدروس الزبيدي، باعتبارها حاملة لتفويض شعبي متجدد، يستند إلى قاعدة جماهيرية واسعة تؤمن بمشروع استعادة الدولة.
كما عكس الالتفاف الشعبي دعما واضحًا للقوات المسلحة الجنوبية، التي تُنظر إليها كركيزة أساسية في حماية المكتسبات الوطنية وصون الاستقرار.
اللافت في “ملحمة المكلا” أنها لم تقتصر على الحضور الميداني، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث شهدت منصات التواصل الاجتماعي تفاعلاً واسعًا من إعلاميين وناشطين جنوبيين، عبّروا عن اعتزازهم بهذا المشهد. وكتب الإعلاميين والصحفيين الجنوبيين معبرين بقولهم ان “المكلا اليوم لا تحتشد فقط بل تعيد رسم خارطة القرار السياسي في الجنوب.”
معبرين في قولهم أن
“حين تتحدث الجماهير في حضرموت، يسقط كل خطاب سياسي لا يستند إلى إرادتها.
وأضاقوا بالقول ان “هذا الحضور ليس عاطفيا، بل موقف سياسي صلب يؤكد أن الجنوب يملك قراره ولن يُفرض عليه أي مسار خارج إرادته.”
هذه التفاعلات تعكس حالة من الانسجام بين الشارع الجنوبي وقيادته مما ، يؤكد أن ما جرى في المكلا لم يكن مجرد حدث ميداني، بل لحظة سياسية فارقة تعيد تعريف موازين القوة.
كما إن هذا الزخم الشعبي يمثل ردا مباشرا على محاولات فرض “سياسة الأمر الواقع”، حيث أثبتت الجماهير أن الشرعية الحقيقية لا تُستمد من التفاهمات المغلقة، بل من الشارع القادر على التعبير عن خياراته بوضوح .. كما أن هذا الحراك الجنوبي وجّه رسالة إقليمية ودولية مفادها أن أي مقاربة للقضية الجنوبية يجب أن تنطلق من احترام الإرادة الشعبية، وليس تجاوزها.
ومع هذا التحول، تبدو المرحلة المقبلة مختلفة تماما، إذ لم يعد بالإمكان تجاهل هذا الصوت الجماهيري أو الالتفاف عليه.
فالمكلا، بما شهدته من حضور، وضعت الجميع أمام حقيقة واضحة ان الجنوب دخل مرحلة فرض الإرادة، مرحلة لا تقبل أنصاف الحلول، ولا تعترف إلا بالمشاريع التي تنسجم مع تطلعات شعبه.
إن ما بعد هذا المشهد ليس كما قبله؛ فقد أعادت الجماهير رسم الخطوط العريضة للمستقبل، مؤكدة أن الطريق نحو استعادة الدولة لم يعد مجرد شعار، بل مشروعا سياسيا مدعوما بإرادة شعبية لا تلين، وقادرة على فرض نفسها في مختلف المعادلات.


