تقرير – الحدث
تتجه أنظار الجماهير الهلالية والشارع الرياضي بأسره نحو خط هجوم النادي الأزرق، حيث يخوض الهداف التاريخي وقائد الفريق محمد عبد الرحمن، الشهير بـ “الغربال”، مرحلة مفصلية واختباراً تكتيكياً هو الأصعب في مسيرته الكروية الحافلة، وذلك مع انطلاق الحقبة الفنية الجديدة تحت قيادة المدير الفني الألماني جوزيف زينباور، الذي تولى مقاليد العارضة الفنية بعقد يمتد لموسمين استعداداً للاستحقاقات المحلية والقارية المرتقبة. ومع وصول المدرسة الألمانية ذات الصبغة الصارمة، يبرز سؤال فني جوهري يفرض نفسه على أروقة النادي الكتالوني السوداني: هل يستطيع الغربال إعادة اكتشاف نفسه وفرض مكانته كخيار أول ولا غنى عنه في تشكيلة زينباور، أم أن المنافسة المحمومة في الخط الأمامي ستدفع به إلى مقاعد البدلاء؟ الإجابة تتوقف كلياً على ما سيقدمه اللاعب في الحصص التدريبية المقبلة، لا سيما وأن المدرب الألماني قادم دون أي انطباعات سابقة أو اعتبار لثقل الأسماء، متبنياً المعيار البدني والفني المباشر في تقييم عناصر الفريق.
أرقام خيالية وسجل تهديفي يزن ذهباً
ولا يُعد محمد عبد الرحمن مجرد مهاجم عادي في تاريخ الكرة السودانية، بل يمثل ظاهرة تهديفية استثنائية حفرت اسمها بحروف من نور عبر تجارب متعددة مع قطبي الكرة الهلال والمريخ، مروراً بمحطته الاحترافية في الدوري الجزائري برفقة بوعريريج، وصولاً إلى قميص المنتخب الوطني “صقور الجديان”. ويحمل الغربال في جفيره سجلاً مرعباً للأرقام التهديفية؛ حيث يتصدر المشهد بـ 117 هدفا في الدوري الممتاز، مدعومة بـ 23 هدفا دولياً مع المنتخب الأول، و17 هدفا في دوري أبطال افريقيا، و13 هدفا في كأس السودان، إلى جانب 10 أهداف في البطولات العربية، و11 هدفا في الدوري الموريتاني، و5 أهداف في بطولة سيكافا، فضلاً عن أهدافه في المسابقات الجزائرية والرواندية. ودخوله المستحق لنادي المائة هدف يمثل محطة فارقة تؤكد أن الحديث عن الغربال لا يرتبط بموسم عابر أو فترة توهج موقتة، بل بمسيرة طويلة من الصداقة المتينة مع الشباك. ولعل عام 2024 كان شاهداً على ذروة عطائه التهديفي، إذ ساهم في 19 هدفا خلال 24 مباراة بدأها أساسياً، مسجلاً في سبع مسابقات مختلفة ومتنوعة.
بصمات تاريخية مع صقور الجديان وحسم الأوقات الحرجة
واقترن اسم الغربال دائماً باللحظات الحاسمة والأهداف المصيرية التي غيرت مجرى تاريخ الكرة السودانية في المحافل الدولية، محتلاً المركز الثالث في قائمة الهدافين التاريخيين لمنتخب السودان وفق تقارير الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). ولعل التقطيع التاريخي لهدفه القاتل في مرمى منتخب غانا عند الدقيقة التسعين خلال التصفيات المؤهلة لأمم أفريقيا 2020، سيظل يحمل دلالة خاصة على طينته التهديفية النادرة وقدرته على حسم المواعيد الكبرى تحت أشد الضغوط النفسية. ولم تتوقف بصماته عند هذا الحد، بل واصل تألقه في تصفيات كأس العالم 2026 بالتسجيل في شباك جنوب السودان، إلى جانب توقيعه على أهداف حاسمة للهلال في أعتى المواجهات الأفريقية، كان أبرزها هدفه الثمين في مرمى ماميلودي صن داونز الجنوب أفريقي لحساب دور المجموعات بدوري الأبطال، بالإضافة إلى حصده لقب هداف مرحلة النخبة في السودان لعام 2025 بـ 6 أهداف كاملة.
تراجع طبيعي ورهان إعادة التوظيف الفني
وعلى الرغم من هذه الأرقام الفلكية والتاريخ الحافل، مر الغربال بفترات شهدت تراجعاً في معدله التهديفي المعهود؛ وهو أمر طبيعي يمر به كبار المهاجمين في العالم، ولكنه أثر سلباً على معدل مشاركاته وتأثيره الحاسم في الأوقات الأخيرة. وخلال النسخة الأخيرة من دوري أبطال أفريقيا، اكتفى الغربال بتسجيل هدفين فقط خلال ثماني مشاركات، مما يضع المدرب الألماني جوزيف زينباور أمام تحدٍ فني خالص: هل يمتلك الأخير التكتيك المناسب لإعادة إحياء الخطورة التهديفية للغربال وإعادة توظيفه في منطقة الجزاء؟ إن الخبرة الأفريقية العريضة التي يمتلكها زينباور من خلال تجاربه الناجحة مع الرجاء المغربي وأورلاندو بايرتس الجنوب أفريقي وشبيبة القبائل الجزائري، تمنحه القدرة على قراءة إمكانيات اللاعبين بدقة وتطوير منظومة هجومية شرسة، وهو ما يجعل المرحلة القادمة بمثابة الصدام الفني الأول بين خبرة المهاجم وفلسفة المدرب.
صراع التشكيل الأساسي والفيصل داخل المستطيل الأخضر
إن امتلاك الهلال لأسماء هجومية واعدة ومحترفين ذوي جودة عالية يعني أن التاريخ والأرقام القديمة لن تكون شفيعاً للغربال لحجز مقعده الثابت في التشكيلة الأساسية لزينباور. فالمعيار الوحيد الذي سينتهجه الجهاز الفني الجديد يتلخص في الجاهزية البدنية، والقدرة على تطبيق مبادئ الضغط العالي، والأهم من ذلك كلّه: النجاعة التهديفية أمام المرمى. وفي المقابل، يمتلك الغربال سلاحاً لا يستهان به يكمن في خبرته الميدانية العريضة وقدرته الفائقة على التعامل مع المباريات المعقدة والضغوط الجماهيرية الغفيرة، وهي مزايا تفاضلية قد لا تتوفر للمهاجمين الشبان. وفي النهاية، يبقى هذا الموسم بمثابة المحك الحقيقي والمفترق الاستراتيجي؛ فإما أن ينفجر الغربال مجدداً تحت قيادة زينباور ويعيد كتابة التاريخ برفقة الأزرق، أو أن التكتيك الألماني الجديد سيفرض واقعاً آخر يبحث فيه الهلال عن دماء جديدة، والإجابة النهائية لن تكون عبر التصريحات، بل ستكتبها الأهداف داخل المستطيل الأخضر فور انطلاق صافرة البداية.



