تقرير – الحدث
شهدت الساحة الرياضية السودانية في الآونة الأخيرة حراكاً استثنائياً وجدلاً واسع النطاق بالتزامن مع العودة الفعلية لقطبي الرياضة السودانية، الهلال والمريخ، وممارستهما للنشاط التنافسي رسمياً داخل العاصمة الوطنية الخرطوم بعد سنوات عجاف من “الشتات الكروي” والاغتراب الإجباري في الملاعب الأفريقية والعربية جراء الحرب المفروضة على البلاد. هذه العودة الواقعية، التي تحمل في طياتها أبعاداً معنوية وسياسية هائلة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، فتحت الباب على مصراعيه أمام تساؤلات جوهرية ومعقدة حول مدى واقعية وديمومة هذا الاستقرار، وجاهزية البنية التحتية الحالية، وموقف القانون الدولي والاتحاد الأفريقي من هذه الحالة الفريدة.
منصة ” الحدث”، وفي إطار دورها الرائد في قيادة الرأي العام الرياضي، وضعت هذه الملفات الساخنة على طاولة التشريح، واستنطقت أربعة من أبرز القامات الإعلامية والتحليلية في البلاد: الكاتب الصحفي الخبير إسماعيل محمد علي، والصحفي الرياضي المخضرم الفاتح حسين، والمحلل والإعلامي حسين جلال، بالإضافة إلى رئيس تحرير منصة “خرطوم سبورت”، ليقدموا قراءة موضوعية وعميقة تفصل بين العاطفة الجماهيرية الجارفة والواقع اللوجستي والأمني المعقد على الأرض.
زلزال العودة إلى العاصمة: هل تعافت “الأم” كروياً أم أنها مجرد ليلة فرح عابرة؟
وتبدو العاطفة الجماهيرية جارفة ومرحبة بعودة النشاط إلى ولاية الخرطوم، لكن عين “السياسة الرياضية” ترى المشهد بزاوية مختلفة تماماً. وفي هذا السياق، يبتدر الكاتب الصحفي إسماعيل محمد علي حديثه لـ” الحدث” واضعاً إصبعه على الجرح التنظيمي والسياسي للكرة السودانية، مؤكداً بصورة قاطعة أن هذه العودة لا يمكن تصنيفها كمؤشر على استقرار نهائي بأي حال من الأحوال، بل هي “مرحلة انتقالية حرجة جداً”. ويرى إسماعيل أن نجاح دوري النخبة يمثل رمزية كبرى لاكتمال عودة الحياة لولاية الخرطوم، مستدركاً بالقول: “نتمنى من أعماق قلوبنا نجاح هذه التجربة لتتوسع تدريجياً، ولكن إذا حدثت أي نكسة أمنية لا قدر الله، فإن حقائب السفر للقمة جاهزة دائماً، والخطط البديلة المجربة في موريتانيا، ليبيا، ورواندا تظل مطروحة كصمام أمان”.
وفي المقابل، يتفق الصحفي الفاتح حسين مع هذا الطرح، مشيراً إلى أن ما تحقق حتى مايو 2026 يعد إنجازاً مقدراً للجنة الهندسية لتأهيل الملاعب التي أعادت ملاعب مثل “كوبر” و”دار الرياضة بأم درمان” للخدمة، مع اقتراب استاد الخرطوم من الجاهزية ضمن خطة حكومية تشمل 10 ملاعب دخلت 4 منها الخدمة فعلياً. ومع ذلك، ينبّه الفاتح إلى أن هذا الاستقرار يظل “مرحلياً” ومحصوراً في نطاق جغرافي ضيق، وأن أي خلل أمني قد يعصف بالنشاط في لحظات، مما يجعل العودة مدعومة بالإرادة والقوة ولكنها لم تصل بعد لمرحلة الأمان المطلق.
من جانبه، يبدو رئيس تحرير منصة “خرطوم سبورت” أكثر تفاؤلاً، حيث يصف عودة الهلال والمريخ بأنها خطوة “جوهرية وتاريخية” كسرت حاجز الخوف والجمود، معتبراً الخرطوم هي “الأم الرؤوم” لكرة القدم السودانية باعتبارها تضم أعرق وأكبر الاتحادات المحلية، ومقر الاتحاد العام، والثقل الأكبر للجماهير والإعلام. وأوضح أن عودة الكرة هي المرآة التي تعكس تعافي مؤسسات الدولة وعودتها للعاصمة، مما يعطي مؤشراً قوياً بأن الخرطوم تمضي بثبات نحو التعافي الشامل. أما الكاتب حسين جلال، فيقترب من المساحة الأكثر حذراً، واصفاً العودة بأنها مرتبطة بظروف استثنائية ومعينة؛ حيث إن الأمن والأمان وعودة المواطنين ما زالت في بداياتها الأولى، مشيراً إلى أن المنافسات المحلية تنقصها مقومات ضخمة على رأسها الاستقرار المالي واللوجستي الاحترافي، متمنياً أن يعم السلام الشامل لتستعيد الرياضة عافيتها الكاملة.
مقصلة “الكاف” وواقع الملاعب المتهالكة: تسيير محلي وإقصاء قاري معجل!
وعند الانتقال من الملف الأمني والسياسي إلى الجانب الفني الصرف، تصطدم الرغبة السودانية بجدار الاشتراطات الصارمة والتعجيزية للاتحاد الأفريقي لكرة القدم (CAF). الصحفي إسماعيل محمد علي يطالب بضرورة الفصل الحاسم بين نوعين من الجاهزية: “جاهزية الحد الأدنى” لتسيير النشاط المحلي وإعادة الروح للمدرجات، و”الجاهزية الدولية” المطلوبة في معارك الكاف الرفيعة كدوري الأبطال والكونفدرالية. ويؤكد إسماعيل أن الملاعب الحالية تفي بالغرض المحلي لإجراء مباريات نهارية أو بإضاءة محدودة، لكنها تفتقر تماماً للملحقات الخدمية الدولية مثل المراكز الإعلامية المتطورة، غرف الملابس ذات المواصفات العالمية، والمنظومات الإلكترونية، واصفاً إياها بأنها “طوق نجاة محلي لكنها بعيدة تماماً عن دفاتر شروط الكاف”.
هذا التفصيل اللوجستي يدعمه الفاتح حسين بلغة الأرقام والمعايير الصارمة، موضحاً لـ” الحدث” أن ملاعب كوبر ودار الرياضة خضعت لصيانة مقبولة في الأرضيات والمرافق الأساسية لتناسب الدوري المحلي، لكنها تسقط فوراً في تقييم “الكاف” القاري لموسم 2025/2026، والذي يشترط شدة إضاءة لا تقل عن 1200 لوكس للبث التلفزيوني الليلي، وتوفير غرف مجهزة لتقنية الفيديو (VAR)، وغرف فحص منشطات ومراقبين بمواصفات دقيقة، بالإضافة إلى مقاعد فردية مرقمة وبوابات إلكترونية، وهو ما يفسر استمرار القمة في خوض مبارياتها الأفريقية خارج البلاد في موريتانيا ورواندا لحين توفر التمويل والوقت الكافي.
وفي ذات السياق، يسير رئيس تحرير “خرطوم سبورت” في ذات الاتجاه الفني، مؤكداً أن الملاعب السودانية لا تلبي معايير الفيفا والكاف للمنافسات الكبرى وتحتاج لعمل هندسي وتمويلي ضخم، رغماً عن تميز ملعب “دار الرياضة أم درمان” بأرضيته الطبيعية الممتازة وملعب كوبر الذي يمضي العمل فيه بشكل جيد رغم أرضيته الاصطناعية. بينما يطلق حسين جلال صرخة تحذيرية قوية ومغايرة، معلناً أن البنية التحتية الحالية غير قادرة حتى على استضافة الدوري الممتاز بمواصفاته الحقيقية، واصفاً التجهيزات الحالية بأنها “إسعافية ومؤقتة”. ويفجر جلال مفاجأة تكتيكية عبر ” الحدث” بالإشارة إلى أن أرضية استاد الخرطوم والنجيل المقترح تركيبها تحتوي على مشاكل هندسية قد تتسبب في إصابات خطيرة للاعبين وتصعّب من عملية التحكم في الكرة، مشدداً على أن الدوري الممتاز يتطلب مواصفات عالية جداً في النقل والتقنية والأبعاد، مختتماً حديثه بعبارة حاسمة: “الملاعب الحالية محلياً غير مؤهلة، فما بالك باشتراطات الفيفا والكاف الدولية في الأمن والسلامة والبوابات الرقمية.. الأمور لن تسير في الطريق الصحيح دون وقفة تمويلية وصيانة جذرية شاملة”.
بروتوكولات الشتات الكروي: هل طويت صفحة موريتانيا ورواندا أم أن “ريجيكامب” يرفض الداخل؟
واحدة من أكثر التجارب إثارة في تاريخ الكرة الحديثة كانت مغامرة الهلال والمريخ باللعب في دوريات شقيقة (الموريتاني والرواندي)، وهو الملف الذي يرى الخبراء أنه لن يغلق بمجرد العودة للخرطوم. الكاتب إسماعيل محمد علي يصف خطوة الاغتراب الكروي السابقة بأنها لم تكن مجرد هروب من واقع الحرب، بل كانت “إعادة تموضع استراتيجي” حقق نجاحاً فنياً وإدارياً باهراً، مؤكداً أن العلاقات التي تأسست مع الاتحادات الشقيقة وضعت أرضية صلبة للمصالح المشتركة مستقبلاً، والتي ستتحول إلى توأمة، معسكرات تحضيرية، ومباريات ودية، لافتاً إلى أن التواجد في رواندا فتح للهلال أسواقاً استثمارية جديدة وسهّل تنقل اللاعبين وأظهر القيمة التسويقية الجاذبة للعلامة التجارية للنادي في غرب ووسط القارة.
ويكشف رئيس تحرير منصة “خرطوم سبورت” عن معلومات حصرية وخطيرة لـ” الحدث”، مؤكداً أن بروتوكولات التعاون ممتدة ولم تطو صفحتها، مشيراً إلى أن مصادر خاصة أكدت أن المدير الفني لنادي الهلال، الروماني إيلي ريجيكامب، قد اشترط على إدارة النادي استمرار اللعب في دوري أفريقي أو خارجي خلال الموسم القادم، وذلك بهدف تجهيز الفريق بشكل احترافي وبدنياً لخوض غمار دوري أبطال أفريقيا، نظراً لتوفر المعينات والأدوات اللوجستية في الخارج مقارنة بالوضع الحالي في الداخل، مما يعني أن فرضية اللعب الخارجي تظل قائمة ومفتوحة بناءً على رغبة فنية بحتة.
من جانبه، يرى الفاتح حسين أن المشاركة “الرسمية” التنافسية في تلك الدوريات قد انتهت قانونياً بزوال الأسباب الدافعة للاستثناء وعودة النشاط للخرطوم، لكنه يشدد على أن المكتسبات الفنية والإدارية والتسويقية المستمرة؛ فالاحتكاك بمدارس كروية مختلفة وبناء علاقات مباشرة مع الاتحادات لتسهيل الإقامة والتسجيل سيمهد لتحويل هذه البروتوكولات إلى شراكات مستدامة تشمل مباريات ودية رفيعة المستوى ومعسكرات صيفية وتبادل للمدربين واللاعبين، مما يجعل التجربة نقطة تحول تسويقية وتاريخية للكرة السودانية.
شرعية “القوة القاهرة” تحت مجهر الفيفا: هل يتكرر سيناريو “البطل الشرفي” في زمن السلم؟
وأثارت مشاركة الهلال والمريخ الخارجية وتصدر الهلال للمشهد وتتويجه “شرفياً” بلقب الدوري في موريتانيا ورواندا تساؤلات قانونية معقدة حول نظرة الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) لهذه الحالة الاستثنائية. يوضح الكاتب إسماعيل محمد علي الجانب القانوني للمسألة، مشيراً إلى أن الأصل في لوائح الفيفا هو إلزامية لعب الأندية داخل النطاق الجغرافي والسياسي لاتحادها المحلي، وأن الانتقال لدوري آخر يتطلب موافقات معقدة من الاتحادين المعنيين والقاري وفيفا. وأكد إسماعيل أن موافقة الفيفا جاءت حصراً تحت بند “القوة القاهرة” كإجراء إنقاذي للحفاظ على تاريخ الأندية وحماية عقود لاعبيها وتأمين جاهزيتها الدولية، ولذلك كانت المشاركة بصفة “شرفية الاعتبار”؛ بحيث لا تحرم أندية الدول المضيفة من مقاعدها القارية، بينما تحسب نقاط القمة منفصلة لتحديد ممثلي السودان.
وفي السياق ذاته، يفصل الفاتح حسين الموقف القانوني مستنداً إلى المادة (73) من لائحة الفيفا التي تنظم الاستثناءات القانونية للظروف القاهرة، جازماً بأن تكرار هذه التجربة في ظروف الاستقرار يعد أمراً “شبه مستحيل” لسببين جوهريين؛ الأول يتعلق بمبدأ “السيادة الكروية” التي يشجعها الفيفا بضرورة لعب النادي في بلد منشئه، والثاني يرتبط بـ”العدالة التنافسية”؛ حيث إن اللعب خارجياً في وقت استقرار البلاد يمنح الهلال والمريخ ميزة تسويقية وفنية غير عادلة مقارنة ببقية الأندية السودانية المحلية، مؤكداً أن الاستثناء الوحيد مستقبلاً لا يمكن أن يتم إلا عبر “مشروع إقليمي أو دوري مشترك” معتمد رسمياً من الفيفا والكاف.
ويختتم رئيس تحرير منصة “خرطوم سبورت” هذا المحور القانوني بالتأكيد على أن هذه الحالة الاستثنائية مرتبطة ارتباطاً عضوياً بظروف الحرب في السودان، وهي لولا هذه المأساة لما حدثت، مستشهداً بحالات تاريخية مشابهة في أوروبا وآسيا وأفريقيا فرضت فيها الحروب هجرة الأندية، ومثمناً الإدارة الذكية للاتحاد السوداني لكرة القدم الذي انتزع موافقات الفيفا والكاف الشجاعة للمحافظة على إرث اللعبة وتأمين دوران العجلة الكروية السودانية في المحافل الدولية رغماً عن كيد الظروف.
مغامرة الصمود المحسوبة: هل عاد نبض الحياة الدائم أم أن الميدان يفرض كلمته؟
وفي ختام هذا التحقيق الموسع، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً يدور حول الضمانات الأمنية واللوجستية لاستمرار النشاط بشكل دائم ونهائي في الخرطوم دون التعرض لهزات أو توقف مفاجئ يربك حسابات الأندية واللاعبين. الكاتب إسماعيل محمد علي يصف العودة الحالية وضمنها دوري النخبة بأنها أشبه بـ “مغامرة صمود محسوبة يقودها التحدي والرغبة في كسر جمود الموت والحرب، أكثر من كونها انعكاساً لتعافٍ حقيقي وشامل للبنية الأمنية والتحتية”. ويوجه إسماعيل تحية إجلال للقائمين على هذا العمل، مؤكداً أن الحقوق تنتزع، ومن حق الشعب السوداني أن ينتزع الحياة الكروية التي يستحقها، مع بقاء الحذر من أن المشهد سيظل يتحرك في مساحة “إدارة الأزمة” ورهيناً بالتطورات الميدانية العامة.
بينما يربط رئيس تحرير “خرطوم سبورت” استمرار الديمومة بالاستقرار الميداني الحالي، معتبراً أن عودة مؤسسات الدولة الرسمية لممارسة مهامها من داخل العاصمة تشكل الغطاء الأمني والسياسي الأكبر لعودة كرة القدم، فالرياضة هي التعبير الأسمى عن الاستقرار المجتمعي والتعافي النفسي للمواطنين، والجمهور المتعطش للعبة يمثل الضامن الأساسي لنجاح المنافسات الحالية وتثبيت أركانها.
وينتهي التحقيق بقراءة حذرة من الكاتب حسين جلال، الذي يرى أن التسرع في إعلان الاستقرار النهائي قد يحمل عواقب وخيمة، فالأمر ما زال في طور “البدايات الأولى والجنينية” التي تتأثر سريعاً بأي تقلبات ميدانية في محيط العاصمة، مشدداً على أن عودة الجمهور والمناشط الرياضية بصورتها الكبرى والجميلة التي عهدها الشعب السوداني تتطلب أولاً وقبل كل شيء وقفاً نهائياً ومستداماً للحرب، وتحقيق سلام شامل يضمن إعادة بناء وتأهيل حقيقي ومحترف للمنشآت الرياضية، لتخرج الكرة السودانية من نفق التجهيزات “الإسعافية” والمؤقتة إلى رحاب الاحترافية العالمية والديمومة التي تليق بتاريخ وعراقة “الأم” الخرطوم.
مصدر هذا التقرير هو موقع www.fjajsport.com



