بقلم: عبد الحليم يعقوب
حان الوقت للجميع في شتى بقاع الأرض للتوقف تماماً عما يفعلونه، وحبس الأنفاس، والاستمتاع باللحظات الأخيرة المتبقية لقصة هي الأعظم في تاريخ كرة القدم العربية والأفريقية على الإطلاق. مع إطلاق صافرة النهاية وخروج الأسطورة محمد صلاح من المستطيل الأخضر لملعب أنفيلد العريق، أُسدل الستار رسمياً وبشكل نهائي على أسطورة حية عشنا تفاصيلها يوماً بعد يوم، بعد أربعمائة واثنتين وأربعين مباراة دافع فيها عن الشعار الأحمر بكل ما أوتي من قوة وبسالة، تاركاً خلفه إرثاً كروياً لن يتكرر بسهولة في الملاعب الإنجليزية، ودموعاً انهمرت بغزارة من عيون الملك المصري ومن عيون الملايين الذين أيقنوا بعاطفة جياشة أنهم لن يشاهدوا مو صلاح بقميص الريدز مرة أخرى بعد اليوم في أي محفل تنافُسي.
لم يكن هذا المشهد المهيب مجرد نهاية عقد احترافي تقليدي بين نادٍ ولاعب يبحث عن وجهة جديدة، بل كان إعلاناً رسمياً لانتهاء حقبة تاريخية غيرت ملامح كرة القدم العالمية بالكامل وأعادت صياغة مفاهيم النجومية. لقد تحوّل ملعب الأنفيلد في تلك الليلة إلى ساحة من الدموع والذهول المشترك، عندما وقف الملعب بأكمله بمدرجاته وجماهيره الوفية وأساطيره وفريق العمل، في ممر شرفي تاريخي مهيب تحية للملك الذي غادر البريميرليج وهو في قمة المجد الرقمي والكروي، مودعاً معشوقته بسجدة أخيرة هزت أركان المدرجات التي طالما تغنت باسمه لسنوات طويلة، ليكون المشهد كفيلًا بشرح من هو محمد صلاح لليفربول ولتاريخ الساحرة المستديرة دون الحاجة لكتابة سطر واحد.
شمس لا تغيب.. كيف عاشت المقاهي السودانية نجاح أبو مكة كفخر وعزة؟
الليلة، ونحن نتابع مو صلاح يودع الأنفيلد بتلك الطريقة المؤثرة، فإن الدمعة التي تفر من العين ليست دمعة حزن أو انكسار على نهاية الحكاية، بل هي دمعة فخر واعتزاز بالمسيرة الملهمة. هذا البطل الذي قام من قريته الصغيرة في مصر القريبة منا، عبر النيل الخالد الذي يربطنا والوجدان المشترك الذي يجمع السودان ومصر كجسد واحد، مشى إلى ليفربول ليتوج ملكاً متوجاً تتغنى به مدرجات إنجلترا الباردة، ودخل القلوب قبل الملاعب بأخلاقه الرفيعة وتواضعه الجم وسجدته التي باتت ماركة مسجلة باسم العرب والمسلمين في ملاعب القارة العجوز.
لقد كان نجاح محمد صلاح على الدوام مشروعاً وجدانياً نراه بوضوح في عيون كل زول سوداني يعشق كرة القدم النظيفة، إذ كنا نعيش إنجازاته في لمتنا اليومية على المقاهي وصياحنا وهتافنا مع كل هدف يمزق به شباك الخصوم في الدوري الإنجليزي أو دوري الأبطال. صلاح لم يكن مجرد لاعب يسجل الأهداف ويمضي، بل كان يحمل أحلامنا وثقافتنا وهمومنا ووضعها في أعلى منصات التتويج العالمية، ليثبت للدنيا بأسرها أن الإنسان العربي الأفريقي قادر على أن يقف في رأس الدنيا ويكون الأفضل بلا منازع. واليوم فإن أي طفل صغير يركض خلف الكرة في أزقة وحواري مدننا السودانية يرتدي القميص رقم أحد عشر ويحلم بأن يصبح كصلاح لأنه الرجل الذي كسر المستحيل وجعل الحلم ممكناً. وتغيب الشمس وتظهر شمس لكن محمد صلاح سيبقى في تاريخنا العربي والسوداني شمساً ساطعة لا تبلغ مغيبها أبداً، فشكراً يا أبا مكة لأنك رفعت رؤوسنا عالياً وجعلتنا نردد بثقة تامة بأننا قادرون على بلوغ القمم.
تسونامي الأنفيلد: الأسيست الأخير وأغنية الملك التي هزت المدرجات
لم تخلُ المباراة الأخيرة للنجم المصري من لمسات الملك السحرية المعتادة، إذ أصر صلاح على ترك بصمته الذهبية الأخيرة وصناعة الهدف الحاسم لزميله كيرتس جونز بذكاء ميداني رفيع، لتشتعل المدرجات بهتاف واحد زلزل أرجاء المدينة وهو أغنية صلاح الشهيرة التي حفظها الصغار والكبار في ليفربول. كانت تلك لحظة فريدة امتزج فيها التقدير بالحب العارم والاعتراف بحجم التضحيات التاريخية للاعب كتب اسمه بحروف من نور في الذاكرة الحية للنادي، وتجاوز منذ زمن بعيد فكرة أنه نجم عابر، ليصبح جزءاً من الهوية البصرية والتاريخية لمدينة ليفربول الصناعية.
المشهد الدرامي تكرر بحذافيره لحظة استبداله وخروجه من الملعب ونزول فريمبونج بدلاً منه في الدقائق الأخيرة، حيث صفق الجميع بحرارة تحبس الأنفاس في محاولة من عشاق الريدز لسرقة كل ثانية متبقية مع هذا اللاعب الاستثنائي، لمعرفتهم العميقة بأن تعويض مو صلاح في المستقبل القريب هو ضرب من المستحيل الفني. لكن وكما علمتنا كرة القدم دائماً، لا شيء يستمر للأبد، وبعض المشاهد تكمن روعتها الحقيقية في أنها لن تتكرر مرة أخرى بذات الزخم والشغف، ليبقى لسان حال الجماهير الباكية يردد في صمت المقولة الشهيرة بأني أغمضت عيني كي لا تفيض بالدموع فأمطرت بغزارة وأيقنت تماماً أني لم أعد أملك مدمعي أمام وداع الملك.
الصندوق الأسود والتسريبات الخطيرة: هل طرد أسلوب سلوت هداف الفريق؟
خلف ستار الدموع والعاطفة الجياشة التي سادت الأجواء، فجّرت التقارير البريطانية المتداولة في أروقة أنفيلد مفاجأة مدوية من العيار الثقيل حول الأسباب الحقيقية التي عجلت برحيل محمد صلاح وإنهاء حقبته دون تجديد العقد لسنوات إضافية. حيث أشارت التسريبات الصحفية الموثوقة إلى أن النجم المصري وجه رسالة مؤثرة وسريعة عقب الهزيمة المذلة ليفربول بنتيجة أربعة أهداف مقابل هدفين أمام أستون فيلا، وهي النتيجة الكارثية التي زادت من حدة الضغوط والتوتر على المدرب الهولندي الجديد آرني سلوت.
وفقاً للتقارير المتزايدة في أروقة النادي، يُزعم أن صلاح اعترف لزملائه المقربين في غرف الملابس قائلاً إنه كان سيبقى في ليفربول لو كانت الأمور الفنية مختلفة، وأن هذا الفريق بحاجة ماسة وعاجلة للعودة إلى أسلوب لعب كرة القدم الهجومية الشرسة التي اعتاد عليها اللاعبون والجمهور. هذا التصريح المدوي أثيرت حوله عاصفة هوجاء على منصات التواصل الاجتماعي وفي الصحافة الإنجليزية، حيث اعتبره النقاد إشارة وإدانة واضحة من صلاح لأسلوب آرني سلوت المتحفظ والبطيء، وتعبيره الصريح عن حنينه لكرة القدم الشرسة والهجوم الخاطف التي اشتهر بها المدرب السابق يورغن كلوب والتي جعلت ليفربول الفريق الأكثر رعباً في القارة العجوز، وقد ظهر هذا الإحباط جلياً على ملامح صلاح طوال المباريات الأخيرة التي انكشفت فيها عيوب الفريق الدفاعية والهجومية مما عجل بقرار الرحيل التاريخي وسط مخاوف الجماهير من انهيار الهوية الهجومية للفريق بالكامل في الصيف المقبل.
لغة الأرقام لا تكذب: إحصائيات مرعبة تضع مو في خانة الخالدين
إذا كان التاريخ يُكتب بالبطولات الجماعية فإن الخلود التنافسي تُسطره الأرقام القياسية الفردية، ويرحل محمد صلاح عن ملاعب البريميرليج تاركاً خلفه لوحة رقمية إعجازية ستقف الأجيال القادمة أمامها عاجزة عن التحطيم أو الاقتراب منها. الأرقام الرسمية تؤكد أن الأسطورة يغادر الدوري الأقوى في العالم وهو يتربع في المركز الرابع تاريخياً في تسجيل الأهداف برصيد مرعب بلغ مائة وثلاثة وتسعين هدفاً، كما يحتل المركز السابع تاريخياً في صناعة الأهداف من خلال تقديم ثلاث وتسعين تمريرة حاسمة لزملائه طوال مسيرته الإنجليزية المظفرة مع الريدز.
هذه الأرقام الجافة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن صلاح لم يكن مجرد هداف تقليدي يقف في مناطق الجزاء بانتظار الكرات، بل كان المنظومة الهجومية الكاملة للفريق، وصانع أفراحها ومحركها الأساسي في أحلك الظروف وأصعب المباريات. شكراً لك يا أبا مكة، رفعت رأس العرب وأفريقيا عالياً في بلاد الضباب، وخليتنا نقول بأعلى صوت في الملاعب العالمية وبفخر واعتزاز تام إننا هنا وإننا قادرون على صياغة التاريخ بأقدامنا وأفكارنا وطموحنا الذي لا يحده حد، وستبقى ذكراك محفورة في وجداننا كأجمل وأعظم حكاية كروية عشنا فصولها بفرح لا ينتهي.
مصدر هذا المقال هو موقع www.fjajsport.com



