قبل المواجهة المرتقبة بين الهلال ونهضة بركان، من الضروري التوقف مليًا عند خصائص الفريق المغربي، الذي يُعد أحد أبرز المنافسين في البطولة. فالمواجهات الإقصائية لا تُحسم بالاندفاع البدني وحده، بل بالتفاصيل التكتيكية الدقيقة.
المدرب: معين الشعباني، خبير المباريات الكبرى
يقود الفريق المدرب التونسي معين الشعباني، وهو اسم معروف جيدًا في الأوساط الكروية الإفريقية. برز نجمه مع الترجي الرياضي التونسي عندما قاده للفوز بلقبين متتاليين في دوري أبطال إفريقيا (2018 و 2019).
يتميز الشعباني بقدرته الفائقة على إدارة المباريات الحاسمة؛ فهو يجيد قراءة الخصم، وضبط إيقاع اللعب، والتعامل مع التفاصيل الدقيقة التي تصنع الفارق. ومع نهضة بركان، طبق نفس الفلسكرة التي اشتهر بها: فريق منظم، دفاع صلب، وهجمات مرتدة تُشن في التوقيت المناسب.
فلسفة اللعب: براغماتية بامتياز
تحت قيادة الشعباني، أصبح نهضة بركان فريقًا براغماتيًا بامتياز، لا يهمه الاستحواذ بقدر ما تهمه الفعالية. أبرز ملامح فكره التكتيكي:
· انضباط تكتيكي واضح: الخطوط متقاربة دائمًا لتضييق المساحات على الخصم.
· اللعب المباشر: عند الضغط، لا يتردد في استخدام الكرات الطويلة لتجاوز خطوط الوسط.
· الأطراف كمصدر خطورة: الأظهرة والأجنحة تتحرك باستمرار، مع الاعتماد الكبير على العرضيات.
· إدارة إيقاع المباراة: إذا تقدم بالنتيجة، يتحول إلى اللعب بهدوء وكسر نسق المباراة.
باختصار، نهضة بركان فريق عملي، يبحث عن النتيجة بأي ثمن.
شكل الفريق في مرحلتي البناء والارتداد
· عند الاستحواذ: يبدأ الفريق غالبًا بطريقة (4-2-3-1)، وقد تتحول إلى (4-3-3) أثناء البناء. يتسع قلبا الدفاع لفتح زوايا التمرير، ويتقدم الظهيران مبكرًا لفرد الملعب. في الثلث الهجومي، يعتمد الفريق على ثلاث حيل رئيسية: التمرير المباشر للجناح، الكرات الطولية خلف الدفاع، أو نقل اللعب بسرعة من طرف لآخر.
· عند فقدان الكرة: يتحول الفريق فوريًا إلى تنظيم دفاعي قريب من (4-4-2). تعود الأجنحة لمساندة الظهيرين، ويضيق خط الوسط المساحات في العمق. لا يعتمد الشعباني على الضغط العالي طوال المباراة، بل يفضل “الضغط الموجّه”، أي دفع الخصم للعب في جهة محددة ثم محاصرته هناك.
نقاط الضعف المحتملة
رغم التنظيم الجيد، تظهر بعض الثغرات في أداء الفريق:
· بطء الارتداد الدفاعي: عند فقدان الكرة أثناء الهجوم، يحتاج الفريق لثوانٍ لإعادة تنظيمه.
· المساحات خلف الظهيرين: تقدم الظهيرين يخلق مساحات يمكن استغلالها بالكرات السريعة.
· الارتباك تحت الضغط العالي: عندما يتعرض قلبا الدفاع لضغط مباشر، تظهر أخطاء في التمرير.
· بطء الإيقاع أحيانًا: قد يمنح الخصم فرصة للعودة وتنظيم دفاعه.
· الكرات الثابتة: رغم الاعتماد على مزيج من الرقابة الفردية والمناطقية (لاعبان على القائمين، 3-4 لاعبين للرقابة)، تظهر أحيانًا ثغرتان: بطء التعامل مع الكرة الثانية، وترك مساحة للتسديد على حدود المنطقة.
الخلاصة:
نهضة بركان فريق مصمم خصيصًا لمباريات الكؤوس: منظم دفاعيًا، خطير في التحولات، ويعتمد على الأطراف والعرضيات. لكن يمكن اختراقه عبر السرعة في التحولات، الضغط العالي الذكي، واستغلال المساحات خلف الظهيرين.
3 لاعبين في نهضة بركان يجب على الهلال تحييدهم
في الأدوار الإقصائية، قد تُحسم المواجهات بلمحات فردية. في نهضة بركان، تتركز الخطورة في ثلاثي يجب مراقبتهم بدقة.
1. مهيري (الجناح الأخطر):
مهيري هو اللاعب الأكثر خطورة في الثلث الهجومي. يجمع بين السرعة في الانطلاق، والقدرة على كسب الأخطاء، ودقة التمريرات العرضية، والتسديد الجيد من خارج المنطقة. غالبًا ما يبدأ من الجناح ثم ينطلق نحو العمق، مما يربك المدافعين.
· كيفية إيقافه: تضييق المساحة عليه فور استلامه الكرة، ومنع الظهير من التقدم في جهته، وإجباره على اللعب للخلف. تحييده يعني إضعاف جزء كبير من الخطورة الهجومية لبركان.
2. شويعر (صانع الإيقاع):
شويعر ليس اللاعب الأكثر ظهورًا، لكنه العقل المدبر في وسط الملعب. يربط بين الدفاع والهجوم، يستلم الكرة تحت الضغط، ويوزع اللعب على الأطراف. هو من يحدد إيقاع المباراة.
· كيفية إيقافه: الضغط المبكر عليه عند استلام الكرة، وتضييق المساحات في وسط الملعب، وقطع خطوط التمرير بينه وبين الأجنحة. إيقافه يعني قطع شريان اللعب.
3. لبحيري (مستغل المساحات):
لبحيري ليس صانع لعب تقليدي، لكنه يمتلك ذكاءً في التحرك بين خطوط الدفاع والوسط. خطورته تظهر عندما ينطلق خلف خط الوسط مباشرة نحو المنطقة.
· كيفية إيقافه: تقارب خطوط الدفاع والوسط، وعدم ترك فراغ بينهما، والمراقبة اللصيقة عند التحولات.
ما يعنيه هذا للهلال:
إذا نجح الهلال في الحد من سرعة الفحلي، وإغلاق المساحات أمام الزغودي، ومراقبة تحركات مهري، فإنه سيجبر نهضة بركان على اللعب بطريقة أقل خطورة، ويفرض شخصيته على المباراة.
3 أسلحة في الهلال قد تقض مضجع نهضة بركان
في المقابل، يمتلك الهلال عناصر قادرة على ضرب أي منظومة دفاعية.
1. محمد عبد الرحمن (المهاجم الهداف):
يمتلك غريزة تهديفية نادرة، ولا يحتاج إلى فرص كثيرة لتسجيل الأهداف. يتمركز بذكاء داخل المنطقة، ويتخذ القرارات بسرعة، ويشكل خطورة دائمة على المرمى، خاصة من الكرات العرضية.
2. آداما كوليبالي (الجناح المفترس للمساحات):
يمتلك سرعة فائقة في الانطلاق، ومهارة في المواجهات الفردية. إذا وجد المساحة خلف الظهير، يصبح من الصعب جدًا إيقافه. هو السلاح الأمثل للعب على التحولات السريعة.
3. جان كلود (اللاعب المربك للتنظيمات):
ليس جناحًا تقليديًا، بل يتحرك باستمرار بين الخطوط، ويبحث عن المساحات خلف وسط المنافس. تحركاته بدون كرة تخلط الأوراق الدفاعية، وتخلق زيادة عددية على الأطراف، وتصنع الفرص.
كيف يستغل الهلال هذه الأسلحة؟
· توصيل الكرة بسرعة لمحمد عبد الرحمن داخل الصندوق.
· إطلاق كوليبالي في المساحات خلف الظهيرين.
· استغلال تحركات جان كلود بين الخطوط لخلخلة الدفاع.
المفاتيح التكتيكية لتفوق الهلال على نهضة بركان
لتحقيق الانتصار، يحتاج الهلال إلى تطبيق خطة تكتيكية دقيقة ترتكز على أربعة عناصر:
1. الضغط المبكر على بناء اللعب:
بركان يفضل بناء اللعب من الخلف، لكن تحت الضغط العالي تظهر أخطاؤه. على الهلال إغلاق زوايا التمرير على لاعب الارتكاز، ودفع الكرة نحو أحد الأطراف، ومحاصرة حاملها. إجبار بركان على اللعب الطويل يفقده السيطرة على الإيقاع.
2. استغلال المساحات خلف الظهيرين:
عند تقدم ظهيري بركان للهجوم، تظهر مساحات شاسعة خلفهم. هنا يأتي دور السرعة في التحولات والكرات السريعة خلف الدفاع.
3. تنويع الحلول الهجومية:
الفرق المنظمة تحب مواجهة فرق تلعب بطريقة متوقعة. على الهلال التنويع بين الهجوم من الأطراف، التسديد من بعيد، التحرك بين الخطوط، والكرات العرضية المفاجئة.
4. الصبر التكتيكي وعدم الاندفاع:
بركان يجيد استغلال المساحات في المرتدات. على الهلال الحفاظ على التوازن الدفاعي، وعدم فقدان الكرة في مناطق خطيرة، واختيار لحظات الضغط بعناية. المباراة قد لا تُحسم مبكرًا، لكن الصبر التكتيكي غالبًا ما يفتح المساحات في الشوط الثاني.
الخلاصة النهائية:
ستكون المواجهة بين الهلال ونهضة بركان معركة تكتيكية بامتياز. الفريق الذي ينجح في تطبيق خطته بانضباط، ويستغل نقاط ضعف الخصم، ويحيد مفاتيح لعبه، هو الأقرب إلى بطاقة التأهل. في ليالي إفريقيا الكبيرة، الفهم العميق للمباراة هو الذي يصنع الفارق. 🔵⚽
الهلال ونهضة بركان… مباراة التفاصيل الصغيرة
مباريات خروج المغلوب كثيراً ما تُحسم بتفاصيل صغيرة؛ تماماً كما حدث في مواجهتي الهلال أمام صن داونز ذهاباً وإياباً في دور المجموعات.
في تلك المواجهتين كان الهلال موفقاً في تفاصيل دقيقة، وابتسم له توفيق كرة القدم. يكفي أن نتذكر الهدف الثاني الذي أحرزه جان كلود في مرمى حارس صن داونز دينيس أونيانغو؛ فقد ارتفعت الكرة قليلاً قبل أن تصل إلى الحارس بسبب نجيل الملعب وروعة التنفيذ من جان كلود في الهدف الثاني للهلال، وهي لحظة صغيرة صنعت الفارق. بل إن غياب الحارس الأساسي ويليامز عن تلك المباراة كان عاملاً إضافياً من عوامل التوفيق. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الهلال قدّم أداءً مميزاً في المباراتين واستحق النتيجة.
وعلى النقيض من ذلك، عندما واجه الهلال مولودية الجزائر في الجزائر، لم يكن الفريق في يومه، ولم يكن موفقاً، هل تذكرون رأسيتي إرنق وقمرديني ؟ لو كان هناك توفيق لكان احدي الرأسيتين هدف ولكن الكره غيرت المسار في اخر لحظه وهي تتجه للمرمي،وكان من الممكن أن يستقبل الهلال عدة أهداف في شوط المباراة الأول.
في مواجهة نهضة بركان في الذهاب، تشير كل الدلائل إلى أن المدرب الروماني ريجيكامب يميل إلى نهجه الهجومي المعتاد. وهو المدير الفني المسؤول وصاحب القرار الفني، ونحن لا نملك سوى المتابعة. لكن في مباريات خروج المغلوب يبقى التوازن عنصراً مهماً ومطلوباً.
في المباراة الأخيرة أمام جيكومبي في الدوري الرواندي، شاهدنا توظيفاً مثيراً للاهتمام للاعب قمر الدين، حيث لعب كظهير أيسر وهمي، يصنع زيادة عددية في وسط الملعب، ويساهم في التحولات عند امتلاك الكرة أو فقدانها.
ومن خلال هذا الدور أحرز هدفاً جميلاً. كما شاهدنا الهلال يطبق تنظيم 3-4-3 في بعض فترات المباراة بصورة جيدة، وقد ساعد الخصم على ذلك، وهي إحدى ميزات مباريات الدوري الرواندي التي تمنح مساحة للتجريب التكتيكي.
ومن الأمور التي أعجبتني في تعامل الهلال مع الدوري الرواندي أنه لم يمنح مباراة القمة اهتماماً مبالغاً فيه، فشارك بتشكيلة قريبة من الصف الثاني. المدرب قرأ وضع فريقه بين المنافسة المحلية والاستحقاقات القارية، وتعامل بواقعية تحسب له، رغم أن مباريات القمة لها أهميتها في كل مكان.
وفي الوقت نفسه، نجح ريجيكامب بطريقة غير مباشرة في تحويل أنظار جماهير المريخ وإدارته بعيداً عن الهلال بعد فوزهم في القمة، ومع ذلك ذهبوا لزيارة السفارة المغربية في كيجالي.
الحقيقة أن المريخ كان في حاجة للفوز أكثر من الهلال، لأنه خرج مبكراً من المنافسة الأفريقية على يد سانت لوبوبو، وهو الفريق الذي تعادل معه الهلال في أرضه وفاز عليه في أرضه الافتراضية، قبل أن يتذيل سانت لوبوبو المجموعة التي تصدرها الهلال.
هكذا تتعامل الأندية الكبيرة مع التفاصيل ومع قراءة احتياجات كل مباراة.
الهلال وإدارته وجهازه الفني شغلوا المريخ بقمة كيجالي، وهي قمة لم تؤثر حتى على صدارة الهلال للدوري.
وتجنب الهلال شر الاصابات وعمل علي اراحة اهم عناصره ولم يكترث لضغوط القمه والجماهير.
وفنياً في الدوري الرواندي،واصل الروماني في التجريب وتطبيق بعد الافكار فمثلاً توظيف قمر الدين كطرف أيسر وهمي – كما حدث في مباراة جيكومبي الأخيرة – قد يكون سلاحاً ذا حدين أمام فريق كبير مثل نهضة بركان ومدربه التونسي معين الشعباني، لأن الفريق المغربي يملك جبهة يمنى قوية يعتمد عليها كثيراً في صناعة انتصاراته.
وبالتالي، فإن استخدام قمر الدين في تلك الجبهة يمثل نوعاً من المجازفة المحسوبة من ريجيكامب؛ كأنه يرسل رسالة واضحة لمعين الشعباني مفادها:
سأهاجمك من الجهة التي تعتبرها مصدر قوتك، لأنني أعلم أن خلف ظهيرك الأيمن مساحات يمكن استغلالها.
ريجيكامب يبحث عن مفاجأة تكتيكية في هذه الجبهة تحديداً، حيث يُتوقع أن يدور صراع تكتيكي ساخن بين المدربين.
الخطة المحتملة قد تقوم على محاولة التقدم بهدف مبكر من هذه الجبهة، وإذا حافظ الهلال على التقدم أو التعادل حتى الشوط الثاني، فقد يتجه المدرب إلى إغلاق المباراة بإدخال لوزولو؛ إما بإخراج قمر الدين نفسه وإشراك لاعب ارتكاز إضافي، أو بإخراج جناح هجومي مع الإبقاء على قمر الدين لمناوشة نهضة بركان عبر التحولات والمساحات، وهو الدور الذي أداه اللاعب بامتياز في المباراة الأخيرة بالدوري.
وفي المقابل، يمتلك الهلال جبهة يمنى قوية أيضاً بوجود الكونغولي المميز ستيفن إيبويلا، وأمامه الجناح المالي الخطير آداما كوليبالي. كلاهما يمتلك القدرة على التسجيل وصناعة التحولات السريعة، مع تبادل الأدوار في هذه الجبهة المهمة التي قد يعتمد عليها ريجيكامب كثيراً في حسم نتيجة اللقاء وإرباك نهضة بركان ومدربه.
من ناحية أخرى، يعاني نهضة بركان من عدة غيابات بسبب الإصابات، إضافة إلى إرهاق المباريات، في ظل اشتعال المنافسة في الدوري المغربي على المقاعد المؤهلة للمسابقات الأفريقية الموسم القادم. هذا الوضع لا يمنح الفريق رفاهية إراحة لاعبيه، خاصة مع النقص العددي في قائمته.
وهنا تظهر نقطة مهمة يجب على ريجيكامب استغلالها، وهي الضغط على المنافس وعدم الخوف منه حتى في ملعبه وبين جماهيره. فنهضة بركان فريق يمكن الفوز عليه خارج أرضه، لكن تحقيق نتيجة إيجابية أمامه في ملعبه ليس سهلاً، وقد يخرج الهلال بالتعادل على أقل تقدير، وهو ما يبحث عنه الفريق الأزرق في مباراة الذهاب.
وإذا نجح الهلال في تحقيق المطلوب في الذهاب – ولو بالخروج بتعادل – فسيكون قد اقترب كثيراً من تجاوز هذا الفريق الكبير والعبور إلى الدور نصف النهائي.
ويبقى الأمل أن يحسن الهلال قراءة التفاصيل الصغيرة، وأن يكون التوفيق حليفه وحليف مدربه ريجيكامب في مواجهة الذهاب بإذن الله.


