كتب: المستشار معاوية أبوالريش
لو كانت الإدارة الرياضية الرشيدة شجرةً، فإن الاتحاد السوداني لكرة القدم يقطع أغصانها واحداً تلو الآخر، ثم يتفاجأ من أنه يقف على جذعٍ أجرد في مواجهة العواصف الدولية.
لم يكن مفاجئاً أن تتردد هذه الأيام داخل أروقة الاتحاد السوداني لكرة القدم أنباء عن توجه لإلغاء الهبوط في موسم 2025-2026، مع إمكانية رفع عدد أندية الدوري الممتاز إلى 28 فريقاً، وعودة أندية كالميرغني كسلا وهلال كريمة والزمالة أم روابة ومريخ كوستي إلى النخبة. فمن يتابع مسيرة هذا الاتحاد بعين فاحصة لا يجد في هذا الطرح جديداً، بل يجد حلقةً جديدة في سلسلة طويلة من الاستجابات الارتجالية لأزمات مصدرها الأول والأخير الإدارة ذاتها.
يُقدَّم المقترح على أنه “حل إبداعي” لأزمة قانونية معقدة. غير أن القراءة الموضوعية لهذا المشهد لا تكشف إبداعاً، بل تكشف نمطاً راسخاً من الفشل الإداري، والهروب من المسؤولية، والاستهانة بقواعد اللعبة محلياً ودولياً. ولفهم حجم الأزمة، لا بد من العودة إلى جذورها.
أولاً: الخطيئة الأصلية – السماح للمحظورين بالتسجيل
في قلب هذه الأزمة جريمة إدارية فادحة لا تقبل التأويل: سمح الاتحاد السوداني لأندية كانت خاضعة لحظر دولي من الفيفا – بسبب قضايا مالية معلقة – بتسجيل لاعبين والمشاركة في منافسات رسمية. وهذا ليس خطأً يمكن وصفه بالاجتهاد أو سوء التقدير، فقد سبق أن وجّهت لجنة انضباط الفيفا خطابات رسمية للاتحاد السوداني، وأمهلته مراراً للرد على ملفات بعينها. ومع ذلك، مضى الدوري في طريقه، وصدرت نتائج الهبوط – وكلها مبنية على أساس مشروخ قانونياً لا يصمد أمام أي طعن جدي.
ولأن الأسباب تُفضي إلى نتائجها حتماً، فقد انتفضت الأندية التي هبطت مطالبةً ببطلان النتائج، إذ شاركت معها في ملاعب الدوري أندية لا يحق لها المشاركة أصلاً. وصار اللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضية الدولية (كاس) خياراً مشروعاً ومُغرياً لتلك الأندية. والمفارقة المؤلمة أن الاتحاد بات يخشى هذه المحكمة وهو من فتح أبوابها على نفسه.
ثانياً: لائحة الاتهامات – أربع تهم لا تسقط بالتقادم
لا يقف الأمر عند حد الخطأ التقني الواحد، بل تتراكم التهم لتكشف عن منهج إداري متكامل في تجاهل القواعد:
التهمة الأولى – مخالفة أحكام الفيفا بشأن حظر التسجيل
السماح لأندية محظورة دولياً بتسجيل لاعبين وخوض منافسات رسمية يُعدّ مخالفة صريحة للوائح الدولية الخاصة بتنفيذ قرارات لجنة وضع اللاعبين، مما يُعرِّض الاتحاد لعقوبات انضباطية بالغة الأثر على المدى القريب والبعيد.
التهمة الثانية – الإخلال بمبدأ التنافس العادل
حين تُبنى نتائج بطولة كاملة على مشاركة أطراف لا يحق لها المشاركة قانونياً، تفقد المنافسة شرعيتها كلياً، ويصبح المتضررون – هابطين أو صاعدين – في موقف قانوني هشّ لا يُحسدون عليه، وتتحول نتائج الملاعب إلى مادة خام لقاعات التحكيم.
التهمة الثالثة – التأخر المتكرر في تنفيذ قرارات الفيفا
هذا النمط من التراخي في مواجهة المنظمة الدولية ليس وليد اليوم. فقد سبق أن جمّد الفيفا نشاط الاتحاد السوداني بسبب تدخل جهات حكومية في شؤون الكرة، مما أدى إلى إقصاء الهلال والمريخ من المسابقات القارية في لحظة مؤلمة لم ينسَها الجمهور السوداني. وما تكراره إلا دليلٌ على أن الاتحاد لم يتعلم من دروس التاريخ القريب.
التهمة الرابعة – توسيع الدوري ترضيةً لا تطويراً
رفع عدد الأندية إلى 28 فريقاً ليس قراراً تنموياً – لا بنية تحتية تستوعبه ولا موارد مالية تموّله – بل هو مسكّن مؤقت يعكس عجز الاتحاد عن اتخاذ قرار قانوني صريح والدفاع عنه. وللتذكير، فليست هذه المرة الأولى ، إذ لجأ الاتحاد بعد توقف الدوري إبان الحرب إلى صعود سبعة أندية دفعة واحدة للممتاز دون اكتمال المنافسة، في سابقة كشفت مبكراً عن نهج راسخ: الحلول الاستثنائية على حساب النظام.
“إلغاء الهبوط لإرضاء الأندية المتضررة ليس حلاً قانونياً ولا رياضياً – إنه اعترافٌ ضمني بأن الاتحاد أدار بطولة لا يثق هو نفسه بنتائجها “
ثالثاً: حلقة مفرغة – الأزمة ليست استثناءً بل هي القاعدة
ما يجعل هذه الأزمة أشد إيلاماً أنها ليست حادثة معزولة، بل هي حلقة في سلسلة لا تنتهي. فمنذ سنوات والاتحاد السوداني يدور في الفلك ذاته: خطأ إداري، ثم أزمة دولية، ثم قرار استثنائي يُطفئ الحريق الآني ويُشعل جذوة الحريق القادم. وقد عانى الهلال في موسم دوري من عقوبة خصم ست نقاط فرضها الاتحاد الدولي بسبب ملف معلق، ورغم ذلك توّج باللقب في ظروف قانونية ضبابية كان الاتحاد السوداني مسؤولاً عن نشأتها وتراكمها.
والأشد مرارةً أن كل هذا يجري في ظل حرب أهلية مزّقت البنية التحتية الرياضية، ودمّرت الملاعب، ونزّحت آلاف اللاعبين، وأرغمت أندية عريقة على اللعب في بلدان أخرى. في مثل هذه الظروف الاستثنائية القاسية، كان المنطق والواجب أن تتفرغ قيادة الاتحاد لإعادة البناء وترتيب البيت الداخلي. بدلاً من ذلك، تجد نفسها غارقة في أزمات إدارية كان بالإمكان تفاديها بقليل من الحوكمة واحترام اللوائح.
رابعاً: لماذا إلغاء الهبوط ليس “حلاً”؟
بعد استعراض جذور الأزمة ومسار تطورها، يصبح الحكم على مقترح إلغاء الهبوط أيسر وأوضح. فهو يحمل منطقاً ظاهره الرحمة وباطنه تكريس الفوضى، لثلاثة أسباب جوهرية لا تقبل المجادلة:
من الناحية الرياضية، يُفقد الدوري قيمته التنافسية الحقيقية ، إذ إن المعادلة الأساسية في أي بطولة هي أن الصعود مجزٍ والهبوط مُعاقَب عليه. حين تُلغى العقوبة رغبةً في تجنب التبعات القانونية، تتراجع الحوافز ويتحول الدوري إلى منافسة شكلية فارغة المضمون.
ومن الناحية القانونية، لا يُحصّن هذا القرار الاتحاد من الملاحقة أمام الكاس. فالأندية المتضررة تملك حق الطعن لا في قرار الهبوط وحده، بل في شرعية الموسم بأكمله. والقضاء الرياضي الدولي لا يقبل التسويات الداخلية بديلاً عن الإجراءات القانونية السليمة، ولا تستطيع قرارات الاتحاد المحلية أن تُطفئ صلاحيات الكاس.
أما من الناحية التشغيلية، فدوري بـ28 فريقاً في بلد تمر كرته بأزمة وجودية – ملاعب مدمرة، مقر اتحاد مهجور، لاعبون منزوحون، وموارد شحيحة – ليس مشروع تطوير بأي معيار، بل ورطة جديدة تُضاف إلى سجل الأخطاء المتراكمة، وفاتورة ستدفعها الأندية والمشجعون لا من أصدر القرار.
ماذا كان ينبغي أن يحدث؟
قبل إطلاق الأحكام، ثمة سؤال مشروع: ما الذي كان ينبغي فعله؟ والجواب ليس معقداً، بل هو ما تفعله أي إدارة رياضية تحترم نفسها: الاعتراف بالخطأ علناً وتوثيق حجم الأضرار، والتواصل مع الفيفا قبل انطلاق الدوري للحصول على إجراء استثنائي مُقنَّن لا على ورقة تجاهل صامت، ثم معالجة أوضاع الأندية المتضررة عبر آليات نظامية شفافة – لا عبر قرارات تعسفية تُعيد رسم الدوري بجرة قلم وتُحمِّل المنظومة كلها تبعات خطأ الاتحاد وحده.
الاتحاد السوداني يواجه اليوم تراكماً من الأزمات لم تأتِ من الفراغ. إنها ثمرة إدارة تتعامل مع اللوائح انتقائياً، وتلجأ إلى الحلول الاستثنائية كلما ضاقت بها الحلول النظامية. ومن أعمق مفارقات هذا المشهد أن الاتحاد يخشى الكاس اليوم، وهو نفسه من فتح أبوابها على نفسه بيديه.
إلغاء الهبوط بهذه الطريقة لن ينهي الأزمة، بل سيزرع بذور أزمة الموسم القادم: دوري متخم بلا تنافسية حقيقية، وأندية تلعب بلا ضغط حقيقي، واتحاد يقرأ اللوائح بعيون تبحث عن المخرج لا عن الالتزام. وما لم تحدث مراجعة جادة وشاملة لمنهج الإدارة، فإن السؤال الحقيقي لن يكون: هل ستقع الأزمة القادمة؟ بل: متى ستقع، وكم ستكلف هذه المرة؟
مصدر هذا المقال هو موقع www.fjajsport.com



